كنت أشاهد أحد حلقات الدكتور محمد سليم العوا في جمعية مصر للثقافة والحوار والتي تعرض علي قناة الجزيرة مباشر. وهي حلقة ضمن سلسلة حلقاته عن الفرق والنحل الإسلامية، والتي تضمنت حلقات عن فكر السلفية من ضمنها هذه الحلقة. وبالرغم من أن حديث الدكتور سليم العوا حديث غني بالمعارف والأفكار والتحليلات القيمة لا يعدم المتابع له مهما كان نصيبه من الثقافة أن يجد فيه الفائدة العلمية والمتعة العقلية، إلا أنني استوقفني في هذه الحلقة شئ أعجبني كثيراً ورأيت فيه من النفع وفصل الخطاب ما يقتضي الإشارة والتعليق. ولعل الدكتور سليم لغزارة علمه وتدفقه لم يقف كثيراً عند هذه النقطة إلا أنها تستحق أن تفرد لها مساحات من النقاش وأن يحتفى بها لما فيها من أصالة علمية ودقة منهجية ولما تفيده من تحقيق وكشف لكثير من الخلط واللبس، ألا وهي تعريفه للسلفية.
مصطلح السلفية من أكثر المصطلحات في العصر الحاضر استدعاء لمعنى الجمود والتشدد والبعد عن الحداثة والتجديد. وحين تذكر السلفية تقفز إلى مخيلتنا صورة شيخ ذو لحية كثة يرتدي زياً بدوياً من بلاد الجزيرة العربية و على الأخص زي شيوخ أهل نجد دون غيرها من أصقاع جزيرة العرب. هذا على مستوى الصورة. أما على مستوى المضمون فهي عند الكثيرين أفكار مدرسة الشيخ محمد بن عبدالوهاب أو ما يسميه البعض بالوهابية، وعند آخرين آراء بن تيمية أو تلميذه ابن القيم. وإن شئنا التجرد عن الأعلام فهي عند الكثيرين تعني الأخذ بالنقل دون العقل، والحرفية في اعمال النص، وغياب الاجتهاد.
مصطلح السلفية يتسم في ثقافتنا المعاصرة بصفات سلبية أكثر مما يتسم بصفات ايجابية. إن كل مجدد مجتهد لا يتم تصنيفه في إطار المدرسة السلفية. فمدرسة الإجتهاد عند عامة المثقفين مدرسة مقابلة للسلفية، وأعلامها لا يتم وصفهم بأنهم سلفيون. وكذلك أصحاب التوجهات الفلسفية و الفكرية أو المتكلمين ممن يعملون العقل مع النص. كما أن من يعتبرون أنفسهم سلفيين غالباً ما يرفضون كثيراً من أعلام تلك المدارس ويسمونهم بأسماء شتى ويعيبون عليهم كثيراً من طرائقهم، ويرمونهم بالأشعرية أو الإعتزال أو التصوف أو الميل للتشيع وغيرها مما يعتبر عندهم انحرافاً عن مذهب السلف. هذا يجعل علماءً و أعلاماً مثل جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده والشيخ محمد الغزالي وغيرهم خارج إطار السلفية. فالسلفيون لا يرونهم كذلك. والعجيب أن مريديهم أيضاً يحرصون على أن ينفوا عنهم تهمة السلفية لأنها كما قلنا ذات صورة سلبية في أذهان غالبية المثقفين من إسلاميين وغير إسلاميين.
الدكتو المزيد

































