يقول الله عز وجل في سورة النساء "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)"
تحاج رجل و امرأة على مسمع مني في قضية القوامة و التفضيل. فاحتج بآية القوامة السابقة، و ردت عليه، و كانت أستاذة جامعية، فقالت: الآية تقول بعضهم على بعض، أي أن من كل فئة فاضل و مفضول. ثم تابعت سائلة: هل ترى أن فلاناً الذي لا يقرأ و لا يكتب أفضل مني لمجرد كونه رجلاً؟! لم يجد الرجل جواباً فقد كان يكن احتراماً لها و لم يجرؤ على القول أن الأمي أفضل منها. لكنه مع ذلك ظل غير مقتنع برأيها، واثقاً بأن تفسير الآية ليس على النحو الذي ذكرته و أن معناها أن الرجال مفضلون على النساء تفضيلاً مطلقاً.
قضية القوامة و التفضيل من أكثر القضايا المثيرة للجدل في عصرنا هذا. و هو عصر نشط فيه المطالبون بحقوق المرأة و مساواتها بالرجل بشكل كبير و إن رأوا أنهم لم يحققوا من مطلوبهم إلا القليل. و رأى خصومهم أنهم قد علا صوتهم و قوي بأسهم حتى أصبح أحد لا يجرؤ على المجاهرة برد دعواهم. كما يرون أن كثيراً من الرجال في مجتمعاتنا قد انضووا تحت لواء دعوى حقوق المرأة ممالأة للسيدات الأوائل اللواتي يمثلن في الوقت الراهن السند الأول و الغطاء الأكبر للحركات النسائية.
و إذا نحينا جانباً تلك الخلفيات السياسية، فإن كثيراً من النساء، و خاصة من برزن في الحياة العامة في المجالات العلمية أو المهنية أو الفكرية أو غيرها، يرين أن الرجل قد غلبهن على كثير من حقوقهن، و أن التفوق الطبيعي المزعوم للرجل عليهن إنما هو وليد ثقافة عصور استبداد الرجل و أن ذلك لا سند له من الدين. و يستشهدن بحديث أم سلمة، الذي رواه أبو داود و الترمذي، حين جاوبها رسول الله (ص) "إنما النساء شقائق الرجال" و بقول الله تعالى "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (البقرة 228)، و يتأولون آية القوامة و عجز الآية السابقة "وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" بتأويلات عدة. ثم هن يستشهدن بمشاهدات الواقع من بروز كثير من النساء قديماً و حديثاً في مجالات كثيرة و تفوقهن فى كثير من الأحيان على كثير الرجال في العلوم و الفنون و السياسة و الحكم و الإدارة و الإقتصاد و التجارة و كافة مناحي الحياة. و كثير منهن يرين أن القوامة هي أمر تكليفي بحت مرتبط بقضية النفقة فحسب و أن المرأة حين تكسب رزقها لنفسها أو تكون شريكة للرجل في الإنفاق، فإن القوامة تنتفي و تتحول إلى شراكة كاملة. و ترى النساء المطالبات بحق المرأة أن لهن أن تفتح لهن أبواب جميع المواقع التي يشغلها الرجل دون تمييز و أن يكون الإحتكام لمعايير الكفاءة فقط دون غيرها.
و يرى المعارضون لذلك أن النصوص الشرعية قاطعة في التفوق المطلق للرجل و علو مرتبته في الخلق و تفرده بصفات و قدرات عقلية و جسدية و نفسية تميزه عن المرأة. و أن القوامة ليست وليدة الإنفاق فحسب و لكنها أيضاً راجعة للتفوق الطبيعي للرجل. و أن المرأة لم تخلق لمزاحمة الرجل في السعى و نشطات الحياة العامة، و إنما لتكون له سكناً إذا أوى، و ظهيراً إذا سعى، و لتحفظ بيته و ترعى أولاده و تتفرغ لتنشأتهم و تربيتهم التربية الصالحة.
و حين يحدث مثل هذا التنازع و الجدال فإنك لا تعدم عند كلا الفريقين حجة سليمة أو حقيقة غائبة عن الطرف الآخر. و هذا لا يعني أن الحق في النهاية يجب أن يكون المتوسط الحسابي لمزاعم الطرفين، فليس هناك ما يمنع أن يكون الحق أقرب إلى أحدهما من الآخر، لكنه ليس بالضرورة مطابقاً تماماً لما يقول. و قد حاولت أن أقترب من موضع الحقيقة بين هاتين الدعوتين و أن أرى ما لدى كل طرف من الحق، و جعلت أتأمل تلك الآية التي صدرت بها مقالي لأرى هل تعنى حقاً ما يقوله كل طرف من الطرفين؟ و لنبدأ أولاً بأقوال المفسرين.
يقول ابن كثير: "بِمَا فَضَّلَ اللَّه بَعْضهمْ عَلَى بَعْض" أَيْ لِأَنَّ الرِّجَال أَفْضَل مِنْ النِّسَاء وَالرَّجُل خَيْر مِنْ الْمَرْأَة وَلِهَذَا كَانَتْ النُّبُوَّة مُخْتَصَّة بِالرِّجَالِ.
و يقول الطبري: "بِمَا فَضَّلَ اللَّه بَعْضهمْ عَلَى بَعْض" يَعْنِي بِمَا فَضَّلَ اللَّه بِهِ الرِّجَال عَلَى أَزْوَاجهمْ مِنْ سَوْقهمْ إِلَيْهِنَّ مُهُورهنَّ , وَإِنْفَاقهمْ عَلَيْهِنَّ أَمْوَالهمْ , وَكِفَايَتهمْ إِيَّاهُنَّ مُؤَنهنَّ. وَذَلِكَ تَفْضِيل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِيَّاهُم عَلَيْهِنَّ.
و يقول القرطبي: اِبْتِدَاء وَخَبَر , أَيْ يَقُومُونَ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ وَالذَّبّ عَنْهُن
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |