من أجمل ما تعلمت من تفسير الشيخ الشعراوي رحمه الله للقرآن الكريم نظرته التركيبية و التجميعية لآيات القرآن، على عكس النظرة التحليلية السائدة في تفاسير الأولين. ففي العادة فإن عمل المفسرين يعتمد على تحليل كل آية على حدة لاستقصاء مدلولاتها اللغوية كلمة كلمة و حرفاً حرفاً و استخلاص محتوياتها التشريعية و كل ما تفيده من معانٍ و أخبار، و هي طريقة علمية لا خلاف عليها. و لكن ما كان يغيب دوماً في تفاسير الأولين هو تركيب آيات السورة و إن تباعدت في سياق واحد، و الجمع بين الآيات المتشابهة أو المتكررة في سياقات متعددة و سور مختلفة و ربط سبب اختلافها بسياق كل منها. و قد كان هناك أكثر من عمل لعلماء كبار على هذا الدرب مثل التفسير الموضوعي للشيخ الغزالي و في ظلال القرآن لسيد قطب و إن كانت إقتصرت على النوع الأول و هو تركيب أيات السورة الواحدة في سياق موضوعي متصل. أما ما انفرد به الشيخ الشعراوي فهو الجمع بين الآيات المتكررة في سور مختلفة أو مواضع مختلفة من السورة ونسبة ما في كل منها إلى سياقه. و كلا الأمرين يمثل مجالاً خصباً للتأمل و التدبر في القرآن الكريم و مفتاح لفتوحات الله على كل من استجاب لقوله تعالى في أكثر من موضع "أفلا يتدبرون القرآن".
بالنسبة لي بدا النوع الثاني المتعلق بالأيات المتكررة مع وجود بعض الإختلاف بينها، و محاولة فهم أسباب اختلافها و علاقة ذلك بالسياق، بدا لي أكثر قابلية للتعامل معه من غير المتخصصين أمثالي، و إن كان لا يزال يتطلب قدراً من المهارات اللغوية على الأقل, كما أنه بدا أكثر جاذبية لكونه عمل عقلي ممتع يذكرني بمسائل الجبر أو مسائل تحليل الدوال لدارسي الرياضيات.
في الحقيقة بدأت محاولاتي في فهم الآيات المتكررة و علاقاتها بسياقها مع محاولتي لحفظ المزيد من أجزاء القرآن الكريم. فكنت كثيراً ما أخلط بين تلك الآيات فأضع حرف العطف "و" موضع حرف الفاء أو أبدل ما في أواخر الآيات من الأسماء الحسنى، و غير ذلك من مواضع لا يحصيها الحصر. و حيث أنني من غير المتمتعين بالذاكرة القوية و الحافظة التي لا يتسرب إليها الخلل فلم أجد وسيلة يستقيم بها حفظي غير أن أفهم سبب الإختلاف بين تلك الآيات فيكون ذلك عوناً لي على التذكر، كما هو تحقيق لفريضة التدبر.
و سأقوم بإذن الله في مواضيع لاحقة بكتابة شيءٍ مما توصلت إليه من نتيجة جهد متواضع في فهم بعض من هذه الآيات من غير أن أدعي لنفسي علماً أو أن أنسب لنفسي فهماً، و إنما هي محاولات أرى أني و إن أخطأت فيها فلي عليها أجر الإستجابة لأمر الله عز وجل في التدبر و التفكر في كتابه. و لكي أنفي عن صدور البعض ما قد يراودهم من هواجس تجاه مثل هذا العمل من واحد من عوام المسلمين مثلي، فإني أوضح أن كل ما سأورده من تأملات لا يتطرق من قريب أو بعيد للمدلولات التشريعية للآيات و ما يترتب عليها من أحكام، و سأجتنب بإذن الله ما يمكن أن يترتب عليه مثل ذلك. و إنما هي تأملات أردتها أن تكون مثلاً لكل مسلم يستعظم أمر التدبر و يرى نفسه غير أهل للتفكر في كتاب الله.
و مع أن الدعوة للتدبر و التفكر في كتاب الله عامة لجميع المسلمين إلا أنه لابد من الإعتراف أن للتفكر أدواته، و هي أدوات في متناول اليد و ليست حكراً على العلماء. على رأس هذا الأدوات المعرفة بقواعد اللغة العربية و اكتساب شئ من ملكتها، و هو الأمر الذي أراه فريضة على كل مسلم حريص على دينه: "وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)" (الشعراء). و أما باقي الأدوات فمنها المداومة على قراءة القرآن لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً. و من أهم أدوات التفكر تقوى الله لأن فهم القرآن فتح و نور من الله كمثل قول الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي...فأرشدني إلى ترك المعاصي
و أخبــــرني بأن العــــلم نـــــورٌ...و نور الله لا يهــدى لعــاصــي
ثم إن التفكر ملكة تكتسب بالتمرن و تنمو بالتعهد و تقوى بالتمرس. فلا عذر لمن أهمل لغته و ترك ملكات عقله للضعف و الضمور. و من أدوات التفكر ما يسمى عند أهل الإدارة الحديثة بـ "العصف العقلي" أو Brain Storming" و هو باختصار التفكر الجماعي و أفضله ما كان مثنى. ثم إن التفكر لا يعني الإقتصار على المجهود العقلي فحسب و لكن لا بد أن يرفد بالبحث. فليس التفكر أن تغمض عينيك و تظل تفكر و تفكر! و لكن إن أردت أن تتفكر في آية فلا بد أن تقرأ ما قاله المفسرون فيها و ربما احتجت إلى فتح معاجم اللغة و استقصاء دلالات ألفاظها. فالتفكر عمل بحثي علمي لا يجوز أن يبنى على الإرتجال. و من خواص التفكر أنه رحلة قد تطول قبل أن تبلغ فيها ما يروي ظمأك، فليس الأمر أن تجلس جلسة تفتح فيها كل المراجع و تعصر فيها ذؤابة عقلك ثم تظفر في آخرها بما تريد. فكثير من الآيات تظل تتفكر فيها شهوراً قبل أن يفتح الله عليك بما يسرك و كأنما يهديه إليك جزاء ما بذلت من جهد.
إن رحلة واحدة من رحلات التدبر و التفكر في كتاب الله تكابد فيها المشقة و الحيرة و تبوء فيها بالإخفاق مرة تلو مرة ثم تظفر بعد ذلك في نهايتها بفتح من فتوح الرحمن و بدرة من لآلئ القرآن لكفيل بأن يجعلك تداوم على هذا العمل و تشتاق إليه على الدوام.
ثم لا بأس بعد ذلك حين يظفر المرء بفكرة جديدة من أن يعرض نتاج تفكره على أهل العلم أو على من يثق بهم من أهل الفكر فيكون ذلك أدعى لتنقيح فكرته و جبر ما يعتريها من نقص أو سد ما يشوبها من خلل. و كذلك ألا يتسرع الإنسان في نشر فكرته على عامة الناس قبل أن يستوثق منها و يراجعها مرات و مرات لعله أن يلوح له بعد ذلك جديد هو أفضل و أكمل. و لربما جعل من نتاج تفكره حوليات كحوليات زهير الذي كان يراجع قصائده مع نفسه عاماً كاملاً قبل أن يظهرها للناس.
ثم أنصح نفسي و إياكم بالحذر من أنفسنا التي يتسرب إليها الرياء و السمعة كأخفى مما تدب النملة على الصفاة السوداء في الليلة الظلماء. فليس الأمر سباقاً للبحث عما نظهره للناس، فحسبك التدبر و إن لم تأت منه بجديد فإن للتدبر ثمرة أخرى أعظم و أبقى ألا و هي الخشوع و مخالطة القرآن لقلبك و روحك حين يتحرك به لسانك، و استحضار معانيه حين يكتفي البعض بنطق مبانيه. وفقنا الله لقراءة القرآن و تدبره على النحو الذي يرضيه عنا.
كتبها ابن الشيخ في 12:00 مساءً ::
إن شاء الله لك اجران
أجر الإستجابة لأمر الله عز وجل في التدبر و التفكر في كتابه.
واجر الاجتهاد في ذلك وان اخطات
اما اذا حزت الصواب فلك بذلم اكثر من الاجرين والله يضاعف لمن يشاء
اللهم اجعلنا من المتدرين في كتابك العاملين به
//
التفكر ملكة تكتسب بالتمرن و تنمو بالتعهد و تقوى بالتمرس
//
ويتضاعف مفعولها بالتقوى
والاقبال على الله واخلاص النية في تحصيل ما في القرآن من فقه وفهم وايات
//
بانتظار اجتهاداتك اخينا العزيز
//
وتقبل اعتذاري عن التقصير في حقك
وا نشاء الله ربنا يقدرنا على الا نعود لمثله
//
تقبل محبتي وتقديري
جزاك الله خيراً من أستاذ فاضل و أخ كريم..
أما العتب فقد قصدت به شيئاً آخر غير الزيارة و قد زال على كل حال..
مع خالص الود و التقدير.
أخي ابن الشيخ/
بارك الله فيك، ونفعنا بك،
وجزى من أرشدنا إلى هذا الإدراج خيرا..
تحياتي..
الاستاذة الافاضل
الاستاذ محمد حماد
اشكر لك دعوتى الى زيارة مدونة (( تأمل وتفكر )) للكاتب الهادئى والرصين
(( ابن الشيخ )) .
وموضوعه افلا يتدبرون القرأن سباحة فى خواطر التفسير القرأنى للشيخ محمد متولى الشعرواى محاولا الوصول الى تحليل للايات القرأنية المتكررة فى اكثر من موضوع ..
فعلى من يرغب فى الافادة والاستزادة من الحسنات فمجرد القرأة تعطيك بعض المخزون من الحسنات فما احوجنا جميعا الى ذلك ..
كما ادعو كل الاخوة الى متابعة مدونته لانه بصدد القيام بقرأة القرأن بشكل مختلف ولن نقول تفسير وانما تأمل كما اوضح هو ذلك وهذا يحتاج الى متابعة للتصويب ان لزم الامر وللاستفادة ايضا فهو شاب لم يتجاوز 35 عاما ..
تحية الى الجميع
عادل سامى
الاستاذ / ابن اشيخ
تحياتى
كان هذا تعليقى فى مدونة الاستاذ / محمد حماد
والان لن اعلق تحديدا على ادارجك هذا وانما انتظر المزيد وسنكون من المتابيعن لك وسيأتى كثيرون اليك فى الفترة القادمة فلعلك تنفعنا وننفعك ..
وانتظر منك اى مساعدة قد تتطلبها من او من غيرى فى اى شىء فسيكون ذلك فرحا لنا جميعاً .
وارجو الا اكون قد تعديت فى وصفى مع الاستاذ / محمد حماد فهذا فقط ما توصل اليه عقلى عند دخول مدونتك
تحياتى وتقديرى
السلام عليكم أخى ابن الشيخ
نحن بالفعل بحاجة لتدبر القرآن فى هذا الوقت بالذات الذى اختلط فيه الحابل بالنابل ولبس الفساد قناع الحق..
فى انتظارك أخى ونؤمن على دعائك..
بوركت وبورك مسعاك..
شكراً للجميع..
في الحقيقة لم يكن في نيتي حين بدأت هذه المدونة أن أتمثل دور الكاتب أو أن أكتب بشكل دائم و منتظم. في الحقيقة كان هدفي تسجيل بعض الأفكار و التأملات لعلي أجد من يشاركني التأمل و التدبر. أرجو ألا أكون قد رفعت سقف توقعاتكم أكثر مما ينبغي لي. و كما قال الأستاذ عادل سامي فأنا أنتظر التصويب أكثر مما أنتظر التعليق.
مع خالص التقدير لتكرمكم بالزيارة..
أشكرك ابن الشيخ
والحمد لله أني بدات أبحث عن اناس تحدثوا عن تدبر القرآن اكريم
وأفاجئ بوجود ناس من مصر
على غرار بلدتي الجزائر التي وفق الله جماعة أناس ليعقدوا رحلات تدبرية حول القرآن الكريم
فكانت نعم الرحلات
ونعم الأفكار التي وفقنا الله إليها
وإنها أفكار الله تعالى لا غير
فقط تواضعنا لكلام الله تعالى وبدانا نحس أن الله تعالى يعلمنا سبيل التقوى
وسبيل الهدى
ولو اجتمعت الدنيا كلها على دفعنا لطريق الهدى
ما استطاع أحد فعل ذلك غير القرآن الكريم
او علم الله تعالى
الكنز المفقود بين افسلام والمسلمين هو
التواضع للقرآن الكريم
وتطبيقه درجة درجة
قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا
إذن عليك بمنهج الرسول عليه السلام قيام الليل.....
ورتل القرآن معك ترتيلا....
ستكتسب سرا من الأسرار ...
والقرآن مليء بالكنوز ...
عليك بالقرآن تدبر معانيه معنى معنى
وطبق والنتيجة مضمونة
حبيبك ومحبك
داود
KOZDAOUD@YAHOO.COM
الاسم: ابن الشيخ
