تأمل و تفكر


الجمعة,أيلول 21, 2007


حين قدر االله أن يمنح أرواحنا وجودها المادي ألبسها لباس الجسد الذي هو مخلوق من الأرض، أو إن شئت نفخ في الجسد الذي هو من تراب الأرض نفخة من روحه. فأعطانا تلبس الروح في الجسد الإدراك و الوعي الحسي فنتج عن ذلك نفس تنسم أو نسمة تتنفس فصارت تحيا و تفكر و تختار.
 
و هذه النفوس الواعية المدركة المختارة هي نفوس مجبولة على فطرة النقاء و الصلاح و لكنها تصير وفق أفعال أصحابها إما طيبة زاكية أو خبيثة داسية. و أما الجسد الذي أُلبسناه فله أهواءٌ و شهوات هي فرع غرائزه و عرَض طبائعه التي طبعه الله عليها. لكن النفس الزكية هي التي حفظها صاحبها بقوة الطاعة من شر طبائع الجسد، فهو كلما أمسك عنها شهواته كلما زادها تزكية و طهراً فكان ممن قال الله الله عنهم "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا". و أما من لم يحل بينها و بين ما يشتهيه الجسد فإنه لا يزيدها إلا رجساً و تدسية فكان ممن قال الله تعالى عنهم "وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" و كان في استسلامه لجسديته التي هي من تراب الأرض مثالاً لقول الله تعالى "وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ".
 
إن غلبة الجسد على الروح إخلاد إلى الأرض التي هي أصل الجسد فتخبو الروح السامية التي هي أصل وجودنا و تخبث النفس الواعية التي هي جماع الجسد و الروح. و إن غلبة الروح على الجسد إرتفاع إلى السماء و زكاة و تطييب للنفس. و لذلك فإن أعظم ما تزكي به النفس و تطيبها هو أن تنصرها على جسدك فتكبح شهوته و تمسك بزمام أهوائه.
 
و إن الله حين شرع الصيام و أخبرنا أن به رجاء نيل التقوى "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون"،  فإن الله جعل الصيام هدية مجانية للنفس تنتصر به على الشهوات. فالصيام تحرير للروح من سطوة الجسد و فوران حيويته و نزوعه إلى إشباع غرائزه. لذلك قامت كثير من الشرائع السابقة على إضعاف سطوة الجسد و إخماد فورانه بشعائر و طقوس مختلفة. و إن كان كثير من هذه الشرائع قد بالغت في ذلك فجارت على الجسد الذي هو مركب الوجود الدنيوي و مناط الإختبار و التكليف و الإستخلاف الإلهي فقمعته و قهرته. و لكن الصيام في شريعة الإسلام لا عدوان فيه على الجسد و لا قهر و إنما هو جرعة مهدئة له تحمله على الإستكانة و الخضوع. فالصيام اختزال مركز لآلية التزكية التي يفترض بنا أن نوزعها على سائر العام، و تدريب إجباري على كبح الشهوة و تطويع الهوى.
 
و فوق هذه التزكية الإجبارية و الهدية المجانية التي تنصرنا على أنفسنا يمنحنا الله هدية أخرى فينصرنا على خطر آخر مواز لخطر الشهوات و هو الشيطان الرجيم. فيقيد الله في شهر الصيام مردة الشياطين. فيجتمع تقييد الجسد بشهواته مع تقييد الشيطان بمكائده، فلا يبق بعد ذلك للنفس إلا ما انطبع فيها من قبل من خير أو شر. و هذا ما نريد أن نصل إليه.
 
إننا حين نقوم بهذه التجربة الحية للتزكية في ظل دعم إلهي كبير و نصر من الله على ألد أعداء الإنسان و هو الشيطان، و تحرر نسبي للروح من أغلال الجسد فإننا نعطي نفوسنا شهراً من السمو في مراتب الروح و الإتصال بنور موجدها. لكن هذه التسكين و الإضعاف لسطوة الجسد و هذا التأمين من كيد مردة الشياطين ليسا كافيين في كثير من الأحيان ليحررا أرواحنا و يزكيا نفوسنا. فتجد البعض منا – كما يقول الأستاذ محمد حماد في مقاله "هل أنت صائم حقاً؟" - يصوم عن المفطرات الحسية كالأكل والشرب والجماع ولا يلتفت إلى المفطرات المعنوية كالغيبة والنميمة والكذب واللعن والسباب وإطلاق النظر إلى النساء في الشوارع والمحلات التجارية. و في الحقيقة فإن هذه المفطرات المعنوية ليس مصدرها الجسد بشكل مباشر و لكن مصدرها النفس التي تدست بأفعال الجسد و شهواته في سائر أيام العام. لقد تفاقم الأمر لديهم فلم يعد دواؤهم التخفف من ثقل الجسد، فداؤهم الآن هو في نفوسهم ذاتها. إن الذين يدعون الطعام و الشراب و الجماع ثم لا يكون ذلك كافياً لتزكية نفوسهم و ارتفاعها في مراتب السمو الروحي، أولئك قد ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون أو بعض ما كانوا يكسبون. و أولئك تعدى الأمر لديهم سطوة الجسد و فوران حيويته. فقد دسوا نفوسهم و أضاعوا طيبها باستسلامهم المرة تلو المرة لشهوات الجسد البسيطة فاستحال ذلك في نفوسهم أدواء و عللاً فصارت شهوات مركبة و أمراضاً عضالاً. و كلما انزلقوا في منحدرات التدسية و الإخلاد إلى الأرض كلما تراكب الرين و ازداد خبث النفس.
 
إن الذين لا ينفعهم كبح شهوة البطن و الفرج في أن يشعروا بخفة في الروح و سمو في النفس و أن يدركوا ثمرة الصوم، فإن حاجتهم أصبحت أكبر من تسكين فوران أجسادهم، حاجتهم الآن هي علاج أمراض نفوسهم. و لكن هل هذا يعني أنهم لم بعد لهم رجاء من شهر الصيام؟ إن الصيام إن لم يكن ذا أثر مباشر و فوري لهم، إلا أنهم لن يجدوا فرصة أسنح و لا أيسر ليبدأوا في تزكية نفوسهم و تطييبها و علاج أدوائها من هذه الفرصة. إن الذي لا يجد في قلبه حلاوة الصيام و لا يجد في نفسه التقوى التي هي ثمرته بل على العكس يجد في قلبه ما يحول بينه و بين نفحات هذا الشهر فليس له إلا أن يعالج قلبه. و من أراد أن يعالج قلبه فليس هناك وقت في العام أنفع له و أصح لعلاجه من هذا الشهر. فقط عليه أن يعلم أنه مطالب بأكثر من كبح شهوات الجسد. هو مطالب كما نحن جميعاً مطالبون بأن يعرض نفسه لأكبر قدر من نفحات هذا الشهر التي تعطي جميع أهله فيوض التطهر و طاقة الإرتقاء. لكنه قبل ذلك، إن أراد أن تصل إلى نفسه نسائم تلك النفحات، مطالب بأن يقف رقيباً على نفسه في كل خلجاتها ليقول لها مهٍ مهٍ فهذا ممنوع الآن. ممنوع بأمر الطبيب، فنحن الآن في رحلة علاج .. لأننا الآن في رمضان.


في22,أيلول,2007  -  05:59 صباحاً, وائل عزيز كتبها ...

الأخ العزيز ابن الشيخ...

لعلب لا أضيف جديداً إلى ما تفضلت بطرحه حين أقول: إن وقوع المسلم في الأخطاء (بسبب الشهوات) خلال هذا الشهر الكريم، مع وجود هذا الدعم الالهي من تصفيد للشيطان وترقية للروح من خلال الصوم... يعني أن هذه الأخطاء بعينها لتي يقع فيها الإنسان هي الأخطاء الأولى بالعناية والاهتمام... لأنها أصيلة فيه رغم كل محاولات التضييق عليها لدحرها... فإذا كان هذا الخطأ هو عين زائغة أو تناول لسيرة الناس أو كذب متوال... أو غير ذلك... فعلى الإنسان أن يجتهد لعلاج هذه الآثام بشكل محدد ومكثف...

وقد أشرت إلى بعض من ذلك في بعض حلقات واسجد واقترب.. ولعل أكثرها ارتباطاً بهذا الأمر هو حلقتي: اللهم اني صائم، و ظاهر الإثم وباطنه...

فلعلي أتشرف باطلاعك عليهما

جزاك الله خيراً... وأبعد عنا شيطان الجن والإنس وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

في22,أيلول,2007  -  10:54 صباحاً, ابن الشيخ كتبها ...

عزيزي د/وائل

هذا صحيح، فإن أول خطوات التزكية أن نمنع النفس مما يدسيها. و إن أشد ما يدسيها هو ما لا ينفك عنها حتى مع عطاءات الله في شهر الصيام. لكن كما تفضلت في مقالك الأخير فإن هذه الأخطاء لم تصبح أصيلة في النفس إلا حين ترك صاحبها المجاهدة و أطاع النفس فعصته. و هذه تماماً هي عملية التدسية و عكسها التزكية.

في الحقيقة ليس في النفس شر أصيل و لكن للجسد شهوات مطبوعة يشترك فيها كل البشر. و القضية هي أين أصبحت النفس بالتزكية أو بالتدسية. صلاح النفس عملية تراكمية تصاعدية لا تستطيع أن تقفز فيها على مراحل الترقي. و هذا معنى أن الله يحول بين المرء و قلبه. فكثيراً ما يريد إنسان طاعة أو صلاحاً فلا يقدر عليه لأنه لم يزكي نفسه للدرجة التي تبلغ بها القوة على هذا الصلاح. لا يكفي أن ينوي إنسان التوبة أو الصلاح، لكن عليه أن يزكي نفسه في عملية مستمرة و متصاعدة.

تحياتي و تقديري..

في23,أيلول,2007  -  12:40 صباحاً, AMEERA كتبها ...

السلام عليكم
طرح رائع لمفهوم الصيام ... جزاك الله خير

أقوال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هى نفحات من نور
تجد بعضا منها فى مدونتى .....
///////////////////////////////////////////////


بمناسبة شهر الخير ..... شهر رمضان المبارك ..اعادة الله على الأمة الاسلامية باليمن والبركات .... أقول لك كل سنة وكل عام وانت واسرتك جميعا بألف خير وأهديك

هذا الدعاء واتمنى ان يستجيب الله لنا جميعا ......
يا واهب الإنسان أسباب الهدى.. يا من بحمد العالمين تفردا.. لي عند بابك دعوة فيها رجا.. احشر عبادك تحت عرشك سجدا.. ثم اسقهم بيد الحبيب محمدا (صلى الله عليه وسلم) ماءا هنيئا سلسبيلا طيبا.

اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا ..... آآآآآآآآآآآآآآآآآآمين

لك منى كل الود والاحترام

أميييييييييييييييييييييييييييره

في24,أيلول,2007  -  10:25 صباحاً, ابن الشيخ كتبها ...

شكراً لك أختي أميرة .. تقبل الله منا جميعاً .. و كل عام و أنت بخير